أثر الحجم في الابتكار والنمو
Tuesday, July 29, 2008 - دبي
بقلم: جيفري ويست*
يتحدث المدراء التنفيذيون عن شركاتهم محاولين تحديد “ماهيتها” والأدوار المنوطة بها لدى طرق موضوع “الأعمال التجارية والأنظمة البيئية التي تعمل في إطارها”، غير أن هنالك الكثير من الجوانب التي يمكن إخضاعها للقياس والمقابلة لدى استكشاف أوجه الشبه بين الشركات والكائنات الحية، وهي بالمناسبة أوجه تخرج من حيز المجاز إلى الحقيقة كما سنرى، ذلك أنه ثمة قواعد تبدو لنا في ثوب القوانين التي تحكم عوامل النمو والأداء – بل والتراجع – الذي تشهده المدن وغيرها من الأشكال التنظيمية الاجتماعية لبني البشر، شأنها في ذلك شأن القوانين الرياضية التي تحكم عمليات الأيض والنمو والتطور والوفاة لدى الكائنات وتفسر أوجه ارتباطها بعنصر الحجم في تلك الكائنات.
ورغم أنه ليس بوسعنا حتى اليوم التكهن بالكيفية التي ستسلكها مدن أو شركات بعينها في أطوار تطورها، إلا أننا وقعنا على علاقات رياضية عامة تؤسس لروابط محددة بين عوامل التعداد السكاني والابتكار وبناء الثروة، وهي عوامل تنضوي على ملابسات مهمة تتعلق باستراتيجيات النمو المتبعة في الهياكل التنظيمية للتجمعات البشرية.
وبالمثال يتضح المقال: ففي عالم الأحياء نرى أحياءً مختلفة تشير شواهد عدة إلى كونها أنواعًا متقاربة تفصلها عن بعضها مراحل أحيائية من التطور، فالبكتيريا والفئران والفيلة وأشجار السكوية والحيتان الزرقاء تبدو للناظر متباينة فيما بينها، لكن خصائصها وسماتها الرئيسية – كالحاجة للطاقة واستخدام الموارد وطول الجينوم الوراثي والعمر الافتراضي – تلتقي مع بعضها في خضوعها لقواعد رياضية بسيطة.
وكل هذه السمات تتشكل في صورة ما يعرف باسم “قانون الاستطاعة” ذي العلاقات التدريجية التي تحدد أثر الحجم في تلك الخصائص ومدى تغيرها تبعًا للحجم. وإن شئنا ضرب مثال على ذلك فسنقول أن معدل الأيض يزيد ليصل إلى ثلاثة أرباع قوة الكتلة، كما نعلم من قانون التدرج أنه إذا كانت كتلة الكائن تزيد بمعامل قدره 10.000 (أربعة درجات من إجمالي الكتلة) فإن معدل الأيض سيزيد بمعامل لا يزيد عن 1000 (ثلاث درجات من إجمالي الكتلة).
نخلص من ذلك إلى قاعدة اقتصادية تمامًا، ألا وهي: كلما زاد حجم الكائن، قلت احتياجات الطاقة المطلوبة لكل رطل في جسمه للبقاء على قيد الحياة. والمدن والتنظيمات الاجتماعية – شأنها في ذلك شأن الكائنات الحية – تستهلك الطاقة والموارد وتعتمد على شبكات متخصصة فيما يتصل بتدفق المعلومات والمواد المطلوبة لمختلف أوجه الحياة، فضلاً عن تباين ما تنتجه ابتداءً بالتحف وانتهاءً بالنفايات. ومن ثمّ، فما من عجب في انصياعها لقوانين التدرج التي تحكم نموها وتطورها.
على صعيد آخر، بذل كل من السيد لويس بيتنكورت – معمل ألموس ناشونال – والسيد خوسيه لوبو – جامعة ولاية أريزونا – والسيد دريك هيلبنج – جامعة دريسدن للتقنية – وكاتب هذه السطور جهودهم لاستكشاف قوانين التدرج والوقوف عليها، وذلك عن طريق جمع البيانات من أماكن حضرية كثيرة في بلدان وأوقات مختلفة، مراعين التعاطي مع مجموعة كبيرة من السمات والخصائص التي شملت استهلاك الطاقة والنشاط الاقتصادي والعوامل الديموغرافية والإبداع الفكري وغيرها من السمات.
وقد وجدنا أن المدن تنقاد لتدرج يحكمه قانون الاستطاعة كما هي الحال في العلاقات الاقتصادية بين الحجم والخصائص الأحيائية في عالم الأحياء، فمن ذلك أن تضاعف عدد السكان يتطلب في المقابل معدلاً لا يرقى لمستوى الضِّعف من موارد بعينها، وهو ما يعني إمكانية تضاعف السكان في المدن دون الحاجة لمضاعفة معدلات استهلاك الموارد. وبمعنى آخر، ثمة وجه للشبه بين المدن والفيلة مفاده النزوع إلى الاقتصاد مع الزيادة في الحجم. كما وجدنا أن المدن في واقع الأمر ما هي إلا حصون لحماية البيئة، لا معاقل للإضرار بها كما يرى كثيرون، فعلى النقيض من الاعتقاد الشائع بأن الأماكن الريفية بمروجها الخضراء أكثر حفاظًا على البيئة من المدن، أثبت الواقع أن المقيمين في الأماكن ذات الكثافة السكانية العالية يحيون بأسلوب أكثر مراعاة للبيئة مقارنة بنظرائهم في الأماكن الأقل كثافة، ذلك أن معدلات استهلاكهم للموارد لكل فرد تقل عن غيرهم فضلاً عن شغل مساحة أقل لكل فرد مقارنة بغيره، أضف إلى ذلك أن متوسط استهلاك سكان المدن من الكهرباء يبلغ نصف معدل الاستهلاك خارج حدودها.
ومن حاضرة إلى أخرى، ثمة مؤشرات يمكن أن نطلق عليها “الأيض” الحضري – ممثلة في معدل استهلاك الفرد للبترول أو مساحة الطرق أو إجمالي طول الكبلات الكهربائية – وهي جوانب تتدرج وصولاً إلى قيمة أُسّية قدرها 0.8 من إجمالي السكان، علمًا بأن هذه القيمة قريبة من نظيرتها الأحيائية البالغة 0.75 من الكتلة، وهو ما يعني إمكانية تضاعف السكان في المدن دون تضاعفٍ مقابلٍ في معدلات استهلاك الموارد. إن أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها حياة المدن تتمثل في قدرتها على جمع الناس في محيط متقارب لأن معدل استهلاك الفرد فيها من الموارد أقل مما هي عليه الحال خارج المدن، وهذه حقيقة ماثلة في عالم الأحياء – فكلما زاد حجم الحيوان قلت حاجاته للطاقة المطلوبة للقيام بوظائفه الحيوية.
وبناء على ما تقدم، نرى أن المكان الذي تتوفر فيه معايير الحفاظ على البيئة إنما هو مكان يعج بالبشر – وهو ما يدحض المعتقد التقليدي الحالي بأن الأرياف والمساحات الريفية المفتوحة أقل إضرارًا بالبيئة مقارنة بالمدن، أي أنه كلما اتسعت المدن زادت قدرتها على الحياة وتنظيم الموارد بالرغم من معدلات التلوث التي تجعلها في الظاهر معاقل للإضرار بالبيئة.
وإلى الجانب الآخر مما انتهت إليه بحوثنا، فقد اكتشفنا أمرًا استرعى دهشتنا وانتباهنا تمثل في ظاهرة جديدة للتدرج تجلّت لنا لدى استكشاف الكميات ذات الطبيعة الاجتماعية في الأصل ولا نظير لها في عالم الأحياء، ألا وهي الظواهر المرتبطة بالابتكار والإبداع وبناء الثروة النابعة من التفاعل الاجتماعي في المحيط البشري وتسفر عن نتائج في مجالات بعينها مثل براءات الاختراع وعدد المبدعين وإجمالي الناتج المحلي وغيرها من المجالات. وبالنسبة لهذه الكميات، تزيد القيمة الأسية (علمًا بأن القيمة المناظرة لمعدل الأيض الأحيائي هي 3\4) بمقدار درجة واحدة لتقترب من قيمة شائعة تبلغ 1.2 درجة. وبالتالي، فإن تضاعف عدد السكان مصحوب بنسبة تزيد على الضعف فيما يتعلق بالنتاج الإبداعي والاقتصادي. وقد اصطلحنا على الإشارة لهذه الظاهرة باسم “التدرج الطولي الفائق”، فعلى أي مقياس شئت ستجد أن تزايد تعداد السكان في المدن يواكبه تزايد مطرد في معدلات الابتكار وبناء الثروة لكل فرد.
إن ما انتهينا إليه الآن من تحليل للظواهر الاجتماعية في المدن تنهار معه الرؤية الأفلاطونية للمدينة، إذ لم يعد ممكنًا – في ظل هذه الرؤية – وضع نماذج القياس والمقابلة بين الحواضر والكائنات الأحيائية وكتلها، بل إن الأمر يتطلب – والحال هذه – مجموعة جديدة من المعادلات لبيان العلاقات وتحديد سمات الكميات. ومن ثمّ، رأينا أن أسهل السبل للتفريق بين المدينة والكائن الحي يتمثل في رصد الظواهر الحادثة في شوارع المدن، فالناظر لحال المارة يجدهم مهرولين على الأرصفة للوصول إلى مقاصدهم، وفي ذلك – إلى جانب ما سبق – دلائل تؤيد الفكرة السائدة بأن الناس في المدن الكبيرة يتحركون بسرعة فعلاً مما ينعكس إيجابًا على معدلات الإنتاج.
أما الأنظمة الأحيائية فتأخذ اتجاهًا مغايرًا لذلك تمامًا، إذ كلما زاد حجم المخلوق تباطأت حركته وقل معدل ضربات القلب لديه وتضاءل نشاطه، وهو ما يفسر طول أعمار الفيلة مقارنة بالفئران، ذلك أن أجساد الفيلة تباشر وظائفها الحيوية في أجواء أكثر راحة وهدوءًا. لكن لنتخيل – في المقابل – فيلاً لا حدود لنموه، هل هذا ممكن؟ … كلا، بل هو أمر مستحيل. وهذا هو الفارق بين المدينة والكائن الحي، إذ تتوافر في المدينة عوامل النمو المستمر التي تتواكب مع استحداث نظريات واتجاهات للاقتصاد والتوفير، وهو ما لا نجده في أي نظام أحيائي.
ومن المثير للاهتمام فيما سبق أن المعادلات المستخدمة في هذه البحوث تتنبأ بتوقف نمو المدن – وكذلك التنظيمات الاجتماعية ولكن على مستوى أدنى بكثير من المدن – بل وانكماشها في حال غياب الابتكارات والإبداعات المؤثرة أو عدم استمرارها، الأمر الذي سيؤول بالمدن في نهاية المطاف إلى الجمود أو الانهيار التام. أما الأنظمة الأحيائية فالنمو فيها له مسار معلوم ونهاية معلومة عند نقطة بعينها. لكن وجود القيم الأسية في إطار من قوانين التدرج الطولية الفائقة المستمدة من الخواص الفريدة للتفاعل الإنساني يجعل معادلة النمو وخصائصه تكتسي طابعًا مغايرًا تمامًا لما انتهت إليه المعادلات.
إن المدن – والتنظيمات الاجتماعية – قادرة على النمو إلى ما لا نهاية، بيد أنه لا بد لها عند نقطة معينة من مواجهة حقيقة مفادها حتمية نفاد الموارد ما لم تراعي الحذر والعناية في الاستهلاك، ولا سبيل لتجنب هذا التحدي أو التغلب عليه إلا بالتغيير، أي لا بد من صياغة جديدة لمقومات النمو وإدارة مثلى للموارد. ونحن نمسك بلباب هذه الفكرة بوضع مصطلح “دورة الابتكار”، وهذا النوع من الدورات واضح كل الوضوح على مر التاريخ، أليس التاريخ حافظًا لدورات الابتكار ابتداءً من محرك البخار مرورًا بالسيارة وانتهاءً – حتى الآن – بالثورة الرقمية؟ وخلاصة القول هي: مدينة بلا ابتكار … مدينة على شفير انهيار. وعلى ذلك، لا بد للمدن من النهوض بدور القوة الدافعة للابتكار، إضافة إلى ضرورة احتضان التنظيمات البشرية على اختلاف مسمياتها لتهيئة المناخ للابتكار والمبدعين لتعود الفائدة على الجميع.
ورغم أن بحثنا تركز في المدن، إلا أن أوجه الشبه الهيكلية والتنظيمية بين المدن والشركات تدفعنا للاعتقاد بإمكانية سحب النتائج التي انتهينا إليها على الشركات ومجالات الصناعة. وإذا كانت الحال كذلك، سنجد أن وجود ما أسميناه “التدرج الطولي الفائق” الذي يربط بين الحجم والنتاج الابتكاري الإبداعي له نتيجتان مهمتان هما: أولا، مخالفة الاعتقاد السائد بأن وظائف الابتكار الدقيقة أكثر إبداعًا، ولعل في ذلك تفسير لقلة المؤسسات التي تمكنت من مجاراة عملاق كشركة مايكروسوفت من حيث الإبداع والابتكار. ثانيًا، ثبوت حتمية الابتكار والإبداع داخل المؤسسات ومجالات الصناعة بمعدلات متسارعة وبصفة مستمرة لتجنب الانزلاق إلى هاوية الجمود أو الانهيار، ولذلك فإن اللجوء إلى الاقتصاد في النفقات بالاقتطاع من ميزانيات البحث والتطوير والعاملين المبدعين سيكون له آثار وخيمة على المدى البعيد.
*جيفري ويست:
عالم وباحث سبق اختياره ضمن أفضل مائة شخصية لمجلة التايم، ورئيس معهد سانتا في. من المقرر أن يلقي السيد جيفري ويست كلمة في منتدى القادة بدبي في نوفمبر 2008.

























